أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
108
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
يعجبها أن تقرأ الشهيد المطهري من خلال كتبه ، ونتاجه الفكري المتميّز ، بل شرعت في ترجمة كتاب له ، رأته ذا نفع جم ، وضرورة ملحّة للساحة في العراق ، وهو كتاب ( مسألة أو فلسفة الحجاب ) . ومن الإبداعات المتميّزة التي أنجزتها الشهيدة وسبقت بها زمانها ، مسألة التوجيه والإرشاد في حملات الحج في السنين التي وفّقت للحج فيها ، خاصّة على صعيد توجيه النساء من حجاج بيت الله الحرام : فلقد كانت تحرص أن تلتحق ببعض حملات الحجيج سنويّاً ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا ، لتقوم بأداء هذا الواجب المقدّس ، إرشاداً وتوجيهاً وتربية . وهو أمر لم يكن متعارفاً بين نفس العلماء الرجال آنذاك . فلقد كان الكثير منهم يستنكف عن أن يقوم بمثل هذه الخدمة ، مخافة أن يقلّل ذلك من شأنه ، أو يلحقه من التعب ما لا يطيقه . وإن استدعي أحدهم من قبل صاحب حملة للحج ، فقد كان يقتصر دوره على إقامة صلاة الجماعة ، والجواب على بعض الأسئلة التي قد توجّه إليه . على كل حال ، كان مستغرباً - إن لم يكن مستهجناً - ذلك الأمر عند البعض ، فكيف إذا قامت امرأة من بيوتات العلم تخرق هذا العرف وتأتي بشيء جديد ، قد يبزّهم ويحرّك الجوّ من حولهم . ومن هنا فقد رأينا بعض التذمّر من نشاط الشهيدة الذي امتد إلى خارج العراق ، وبالخصوص إلى عرصات الحج ، وصارت تواجه بعض التهم والشائعات المختلفة : من قبيل ما أشيع عنها من أنّها سافرت إلى الحج بدون غطاء تسدله على [ محيّى ] وجهها ، ولعلّ السلطات البعثيّة كان لها اليد الطولى في ذلك . والقصّة هي أنّ التلفزيون العراقي في نهاية كلّ موسم حج كان يبثّ رسالة مصوّرة يغطّي فيها حدث وصول الحجّاج إلى أرض الوطن . وفي سنة من تلك السنوات التي حجّت فيها الشهيدة ، بثَّ التلفزيون تلك الرسالة المعتادة ، وأظهر مشهداً يبدو فيه الحجّاج ينزلون من الطائرة على أرض مطار بغداد . ولمّا كان الناس ينتظرون ذلك الحدث ويراقبون الشاشة لرؤية ذويهم من الحجّاج ، فقد عرف قسم من الناس شخصية بنت الهدى النازلة معهم من خلال هيأتها وسيماء الحشمة والحجاب الكامل الذي تلفعت به ، فقد كانت الوحيدة من الحاجات العراقيّات التي غطّت وجهها مع كامل الحجاب ، في ذلك المشهد المعروض . ومع ذلك سرت شائعة بغيضة تقول : لقد رأيناها كاشفة الوجه في المطار . وصار كلّ من كان يبحث عن فرصة للتشفّي أو لتوجيه أي نقد لبيت السيّد الشهيد يتعلّق بذلك الغثاء ، وينعق مع الناعقين . أمثال هذه الشائعة كانت تتكرّر بين حين وآخر عن الشهيد الصدر ، أو عن واحد من خاصّته وأهله . وليس ذلك مستغرباً ؛ فهو جزء من الحرب النفسيّة ، وصورة من صور الحصار الذي كان النظام يحاول فرضه على السيّد الشهيد وآله . لذلك كانت الشهيدة بنت الهدى ، تكثر من الدعاء على الطاغية صدّام وأعوانه ونظامه . ولقد سمعتها - أي السيّدة أم أحمد الشاهرودي - مرّات وهي تقول : ( أنا ممّن سيجثو للخصومة بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ، ولأشكونّ صدّاماً وكلّ من عاونه وأمدّه ، وأحاكمه على صعيد محكمة الحساب الإلهي ، على رؤوس الأشهاد ) . كانت الشهيدة في وقارها وثباتها وقوّة قلبها أمثولة فريدة ، أستطيع القول : إنّها شابهت عمّتنا الكبرى زينب عقيلة بني هاشم ؛ فرغم حيائها الدائم وأدبها الجم ولباقتها في الحديث ، إلّا أنّها لم تدع للخوف